مأساة جبع.. كيف وقع الإعلام المحلي في المحظور!

21 فبراير، 2012 - 01:02pm

بقلم محمد الرجوب

شبكة أجيال الإذاعية ARN_ لا أكتب بقصد التشاطر أو المزايدة على جهود أي من الزملاء الصحفيين، ولا محاولة مني لإضفاء مهنية في أداء وسيلة الإعلام التي أعمل فيها، وانتقد الآخرين، أعتقد أن الثغرات في تغطية الحادث الأليم ظهرت في أداء الجميع، ولعلني أطرح بعضا ما أرى أنه إخفاق في تغطية كارثة بهذا الحجم ما قد يساعد في أخذ العبر بعد التجربة المُرة.

منذ اللحظات الأولى كان الإعلام المحلي مرتبكا في إحصاء عدد الضحايا سواء الوفيات أو الإصابات، ما جعل المجتمع بأسره في حال ارتباك وفوضى، وكانت المفاجئة ثقيلة عندما ظهرت الأرقام الرسمية في المؤتمر الصحفي المقتضب لوزير الصحة د. فتحي أبو مغلي حوالي الساعة الثالثة عصرا، أكد أبو مغلي أن الحادث تسبب باستشهاد 6 أشخاص وإصابة 40 في حين كانت وسائل الإعلام المحلية تتحدث عن وفاة 10 أشخاص في حين ذهب آخرون إلى الحديث عن أن الحادث أودى بحياة 14 طفلا. واذا كان التأخر في ذكر الرقم الرسمي من جانب الوزير مبررا نظرا لأن عددا من الضحايا والاصابات الحرجة نقلوا الى المستشفيات الاسرائيلية فإن المبالغة في العدد من جانب الاعلام المحلي دون الـتأكد مسّ بمصداقيته الى حد كبير.

تأثرت الإذاعات المحلية والمواقع الالكترونية بما يكتبه الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة (الفيس بوك)، وعلى أهميته حيث يعتبر عمادا لما اصطلح على تسميتها وسائل الإعلام الجديدة إلا أن أنه لا يعتبر وسيلة إعلام جدية موثوقا بها في نقل اخبار هكذا قضايا خاصة وان اللذين يكتبون على صفحات التواصل كانوا متأثرين ومنفعلين جدا من هول ما حدث، فالبعض كتب على (الفيس بوك) أن الحافلة المنكوبة كانت تحمل ضعف حمولتها القانونية من الطلبة ونقلت ذلك وسائل الإعلام وتبين لاحقا أن ذلك لم يكن صحيحا. وعزا آخرون سبب الحريق إلى أن الشاحنة التي اصطدمت بالحافلة كانت تنقل وقودا وهو ما فندته الصور، وأحسب أن تردد هكذا إشاعات لحظة "فورة الدم" لم تكن سهلة على ذوي سائق الحافلة أو المدرسة.

إذا كانت مواثيق العمل الصحفي تطلب من الصحفيين طلب إذن ذوي أي طفل قبل إجراء أي مقابلة معه أو أخذ شهادة منه أو تصويره، ما بالكم بتصور جثث متفحمة لأطفال قضوا في الحادث، وكانت المصيبة أكبر عندما أقدمت بعض المواقع الالكترونية على نشر صور مؤلمة جدا دون أي مراعاة ليس فقط لذويهم أو أقاربهم وإنما لجمهور المتلقين بشكل عام.

نقل الإعلام المحلي تصريحات منسوبة إلى رئيس مجلس محلي عناتا السيد ابراهيم الرفاعي يحمل مديرة مدرسة نور الهدى مسؤولية إرسال الطلبة إلى رحلة مدرسية في ظروف جوية سيئة وبغض النظر عن مدى صدقية هكذا تصريح إلا أنه صدر عن الرجل في ظروف صعبة جدا يمكن وصفها بالهستيرية، فهل يجوز في كارثة كالتي نحن بصددها تحميل المسؤولية لأي طرف بعد وقت قليل من وقوعها دون انتظار نتائج أي تحقيق؟! ألا من شان ذلك أن يحدث ردات انفعالية لا تحمد عقباها من جانب ذوي بعض الضحايا؟!. مساء اليوم الذي وقعت فيه المأساة لم أتفاجأ عندما تحدثت زميلة في عناتا وأخبرتني إن الشرطة الفلسطينية ضربت طوقا حول المدرسة تحسبا من قيام شباب بإحراقها. من كان سيتحمل مسؤولية احراق المدرسة في حال وقع بالفعل ونحمد الله انه لم يحصل.

لا أرى في التراشق الإعلامي –وان كان محدودا- حول مسألة تأخر وصول سيارات الإسعاف أو الإطفاء إلى مكان الحادث أنه كان موفقا وهذا ليس من باب رفع المسؤولية عن أي تقصير -إن وجد- عن الهلال الأحمر أو الدفاع المدني وإنما ينبغي التحقق بشكل أفضل قبل توجيه انتقادات في ظل حالة الإرباك الشديد، وكان الأولى تحميل المسؤولية للاحتلال المسيطر على منطقة الحادث، فمن غير اللائق أن تُجلد الضحية مرتين.

حسنا فعلت وسائل الاعلام المحلية حين ركزت على التفوهات الغوغائية الصادرة عن حمقى المستوطنين تعليقا على الحادث وهو ما ساعد الجميع على التذكر أن هناك من يتربص بنا حتى في مآسينا، أعتقد أن على الاعلام المحلي الاستثمار في تدريب وصقل الطاقات البشرية لديه، والدور مضاعف أيضا على نقابة الصحفيين والمؤسسات غير الربحية الجدية العاملة في حقل الإعلام.. رحم الله الشهداء وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وعافى الجرحى.. وإنا لله وانا اليه راجعون..
صور حادث جبع