
(تقرير مركز مدار) أعلنت المحامية أورلي بن آري غينزبيرغ، قرارها التراجع عن موافقتها وقبولها إشغال وظيفة المسؤول المباشر والأول عن النيابة العامة في إسرائيل، من خلال منصب القائمة بأعمال النائب العام للدولة، استجابة لعرض تقدم به إليها سابقاً وزير القضاء أمير أوحانا (من الليكود).
وأوضحت بن آري ـ غينزبيرغ، في رسالة خاصة وجهتها إلى الوزير أوحانا الجمعة الماضية، أنها ترفض أن "تُدار على ظهري معركة تعود بأضرار إضافية على الجهاز القضائي، طالما كان بإمكاني منع ذلك"، مضيفة أنها توصلت إلى قرارها هذا "على خلفية حملة صيد الساحرات التي تدور في الجهاز القضائي خلال الأيام الأخيرة، والتي جرى إقحامي فيها وجعلي جزءاً منها، رغماً عني وضد إرادتي، وذلك بعد ثلاثة عقود من العمل المهني المخلص في النيابة العامة..".
وأضافت بن آري، في رسالتها: "إن محاولة جعل اختياري لمنصب القائم بأعمال النائب العام مسألة سياسية ـ حزبية وتصويره بأنه جزء من مشروع يرمي إلى ضرب سلطة القانون وسيادته أو إلى المس باستقلالية النيابة العامة المهنيةـ لهي أمر مؤسف جداً ويتنافى مع سلوكياتي وقيمي".
وختمت: "الأجواء التي نشأت في أعقاب اختياري تهدد بالمس بثقة الجمهور الواسع بالنيابة العامة وسحق هذه الثقة أكثر فأكثر. وبالرغم من الثقة الكبيرة بي شخصيا، التي انطوى عليها قرار اختياري لقيادة النيابة العامة في هذه الفترة بالغة الحساسية، إلا أنني أرى أن من الأنسب تفضيل المصلحة العامة ومصلحة الجمهور على طموحاتي الشخصية. ولهذا، قررت التراجع عن موافقتي على إشغال هذا المنصب".
بإعلانها هذا، وضعت بن آري غينزبيرغ نهاية للأزمة السياسية- الحزبية الجديدة التي نشأت في إسرائيل ووقف في مركزها الجهاز القضائي وأذرعه المختلفة، كحلقة أخرى ضمن الحرب الشعواء المتواصلة منذ سنوات، والمتعددة الفصول والعناوين، التي يشنها اليمين الإسرائيلي عموماً، وحزبه الأكبر (الليكود) خصوصاً، ضد هذا الجهاز بمختلف مستوياته ومركّباته.
وخلّص قرار بن آري أطرافاً عديدة ومختلفة في السلطات المركزية الثلاث في إسرائيل، التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (الكنيست) والقضائية (جهاز المحاكم وأذرعه المختلفة المكلفة بمهمات تطبيق القوانين) من خطر الاستمرار في هذه المعركة والانزلاق فيها إلى ما قد يعود بأضرار جسيمة عليها جميعاً وبمستويات مختلفة.
تعيين غير مهني لأغراض حزبية وشخصية ومعارضة واسعة
بدأت هذه الأزمة بإعلان وزير القضاء أمير أوحانا في الـ 17 من كانون الأول الجاري، أن اختياره وقع على المحامية بن آري ـ غينزبيرغ لإشغال منصب القائم بأعمال النائب العام، إلى حين تعيين نائب عام جديد دائم، خلفاً للنائب العام شاي نيتسان الذي أنهى مهمات منصبه قبل بضعة أيام فقط، بعد ست سنوات من إشغاله.
كان من الواضح أن تعيين بن آري، التي تشغل حالياً منصب نائبة النائب العام في لواء المركز (وقد تنافست على منصب النائب العام في هذا اللواء مرتين اثنتين، لكنها أخفقت في كلتيهما)، هو تعيين مؤقت لثلاثة أشهر فقط، يمكن تمديدها لثلاثة أشهر إضافية أخرى إذا ما اقتضت الحاجة ذلك، حتى تعيين نائب عام جديد دائم، خاصة وأن حكومة انتقالية هي التي تقر هذا التعيين، لأنها غير مخولة صلاحية تعيين نائب عام دائم.
وعلى الرغم من كون التعيين مؤقتاً، قوبل هذا الاختيار، قبل عرضه على الحكومة للمصادقة عليه بمعارضة شديدة وواسعة، وخاصة من جانب النائب العام المنتهية ولايته، شاي نيتسان، لكن الأهمّ من جانب المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت.
كما عارضه، "مفوّض خدمات الدولة" دانيئيل هرشكوفيتش، المسؤول عن التشغيل في القطاع العام معتبراً أنه "قد يزعزع عمل النيابة العامة وأداءها"، مشيراً إلى أن "وظيفتها السابقة لم تكن رفيعة بما تؤهلها لإشغال منصب النائب العام بالوكالة" ومؤكداً، في رسالة إلى الوزير أوحانا، أنه "ينبغي إلقاء هذه المهمة على شخصية من المستوى الأرفع في النيابة العامة، المقبول على المستشار القانوني للحكومة".
وكانت صحيفة "هآرتس" قد نشرت أن المستشار القانوني للحكومة سوف يعارض تعيين قائم بأعمال النائب العام خلفاً لشاي نيتسان، إذا ما رأى أن "مرشح الوزير أوحانا غير جدير بإشغال المنصب"، موضحةً أن مندلبليت عبر، خلال مداولات داخلية مغلقة، عن خشية عميقة من أن وزير القضاء الحالي، بل الحكومة الحالية كلها، سيعمدان إلى المس بأذرع تطبيق القانون من خلال هذا التعيين، وخاصة في ضوء لائحة الاتهام الجنائية الخطيرة التي قرر مندلبليت تقديمها ضد رئيس الحكومة، رئيس حزب "الليكود" بنيامين نتنياهو.
ونقلت الصحيفة عن مندلبليت، خلال تلك المداولات، تأكيده القاطع أنه "لن يدافع عن مثل هذا التعيين إذا ما وُضع على طاولة المحكمة العليا في إطار التماس يُقدّم ضده"!
لكن أوحانا لم يكترث لهذه المعارضة وضرب بها عرض الحائط حين أصرّ على اختيار أورلي بن آري لهذا المنصب من بين خمسة مرشحين بادر هو نفسه إلى نشر أسمائهم، غير أن اثنين منهم سحبا ترشيحهما فبقي الثلاثة الآخرون.
وفي أعقاب إعلان الوزير أوحانا قراره بشأن اختيار أورلي بن آري، أعلن مندلبليت في بيان علني، أنه يعارض هذا الاختيار ويرفضه لأن "بن آري لا تستوفي شروط هذا المنصب ولا تلبي متطلباته"، وسمى مندلبليت مرشحاً آخر (هو شلومو لامبرغر) كان يؤيد هو اختياره لإشغال هذا المنصب، مؤكداً أنه "كان على وزير القضاء التشاور معي قبل إعلان قراره، إذا ما أراد المحافظة على استقلال منصب القائم بالأعمال واستقلالية الجهاز القضائي وأذرعه المختلفة عموماً".
وتطرق مندلبليت إلى ملفات رئيس الحكومة نتنياهو الجنائية موضحاً أن "القائم بأعمال النائب العام للدولة يمتلك جميع الصلاحيات المخولة للنائب العام، بصورة قانونية، ابتداء من اليوم الأول في منصبه هذا. وعليه، فسيكون لزاماً عليها (بن آري) معالجة ملفات تخص شخصيات جماهيرية منتخَبة، إلى جانب الجوانب القانونية المختلفة الخاصة بقرار تقديم لائحة اتهام جنائية ضد رئيس الحكومة"، وأضاف: "إنها قضايا بالغة الحساسية تستدعي درجة عالية جداً من الاستقلالية وعدم التبعية في تأدية مهمات هذا المنصب".
تجميد التعيين ومواد حارقة جديدة ضد الجهاز القضائي
أثار التعيين موجة من النقد والمعارضة في أوساط سياسية وحزبية وقضائية واسعة اعتبرته تعييناً غير مهني يأتي لخدمة أهداف سياسية حزبية وشخصية في مقدمتها الانتقام من النيابة العامة والمستشار القانوني للحكومة و"تلقينهما درساً" على خلفية القرار الأخير بتقديم لائحة اتهام جنائية خطيرة ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ثم محاولة التأثير على مضمون لائحة الاتهام هذه، كما على كل ما يتعلق بالمداولات القضائية الخاصة بها، إضافة إلى محاولة التأثير على القرار المتوقع صدوره لاحقاً بشأن لوائح الاتهام في قضية الفساد الخطيرة الخاصة بشراء الغواصات الحربية من ألمانيا.
وضمن موجة المعارضة والرفض لهذا التعيين، توجهت "الحركة لنزاهة الحكم" في إسرائيل بالتماس عاجل إلى المحكمة العليا طالبتها فيه بإصدار أمر مؤقت يقضي بتجميد قرار التعيين ومنع تنفيذه ريثما يتم البحث في الموضوع برمّته بصورة موسعة ومعمقة.
وسوغت الحركة التماسها هذا بالقول إن ثمة شكوكاً قوية بأن هذا التعيين "يأتي بدوافع ولاعتبارات غريبة من جانب وزير القضاء أمير أوحانا"، وهو ما يجعله "غير معقول بدرجة كبيرة ويفتقر إلى الموضوعية والنزاهة وسلامة الطوية".
وأضافت: "إن الاعتبارات المركزية التي دفعت نحو هذا التعيين تتمحور في إضعاف سلطات تطبيق القانون عامة والمسّ بعناصرها ذات العلاقة بملفات التحقيق مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو".
وقبل دقائق قليلة فقط من بدء حفل تسليم بن آري هذا المنصب الجديد، يوم 18 الجاري، أصدرت المحكمة العليا (بواسطة القاضي ميني مزوز) أمراً مؤقتاً يقضي بتجميد قرار التعيين وعدم تنفيذه، وهو ما اعتبرته "الحركة لنزاهة الحكم" قراراً هاماً جداً.
وعقب رئيس هذه الحركة، المحامي إليعاد شراغا، على قرار المحكمة بالقول إن "الوزير أوحانا أقدم على خطوة خطيرة جداً. ففي الوقت الذي تنكب فيه النيابة العامة على إعداد كل ما يتعلق بالإجراء القضائي ضد المتهم نتنياهو، الذي عيّن الوزير أوحانا لمنصبه هذا وأوكله بهذه المهمة المحددة جداً، أي تنفيذ التصفية المباشرة لمكتب النائب العام، يقوم أوحانا بتعيين شخص لا يمتلك المؤهلات اللازمة والمطلوبة لإشغال هذا المنصب".
وقال شراغا: "لا يجوز تعيين نائب النائب العام في لواء لمنصب النائب العام للدولة، مثلما لا يجوز تعيين قائد كتيبة في منصب رئيس هيئة أركان الجيش في أوج الحرب.. من الواضح تماماً أن الإجراء كله كان مقصوداً ومتعمداً، كي تقوم المحكمة العليا بإلغاء التعيين، بما يوفر لنتنياهو وأوحانا وشلتهما مواد حارقة أخرى يجددون بها إشعال حربهم ضد الجهاز القضائي عشية الانتخابات".
لكن الوزير أوحانا، من جانبه، لم يكن ينوي الإذعان لقرار المحكمة العليا وما تضمنه من أمر يلزمه بتجميد تعيين بن آري قائمة بأعمال النائب العام، إذ ادعى بعيد إصدار المحكمة العليا قرارها المذكور ـ بأن "الأمر الذي أصدرته المحكمة العليا ليس ذا صلة وليس في وسعه منع التعيين" لأن "تعيين بن آري قد دخل حيز التنفيذ وأصبح ساري المفعول قانونياً قبل صدور قرار المحكمة العليا بيوم واحد"، فقد صدر قرار التعيين يوم الثلاثاء 17 الجاري، بينما أصدرت المحكمة العليا قرارها/أمرها يوم الأربعاء 18 الجاري. وقال أوحانا، في رسالة خاصة إلى مندلبليت، إنه "من غير الممكن تجميد/تأجيل تعيين قد أصبح نافذ المفعول".
ورداً على هذا عقب المستشار القانوني للحكومة مندلبليت (المخول الوحيد حسب القانون صلاحية وضع تفسير الأحكام القانونية والقضائية وبحيث تكون تفسيراته هذه ملزمة للحكومة) بالقول إن قرار المحكمة وما تضمنه من أمر هو ملزم تماماً للحكومة وللوزير بصورة شخصية، "نظراً لأن بن آري لم تكن قد بدأت مزاولة مهمات منصبها الجديد بصورة جوهرية".
ن.أ-ر.أ