
(شبكة أجيال)-
تواجه إسبانيا واحدة من أكبر موجات الاحتجاج المرتبطة بالسكن منذ سنوات، بعد خروج عشرات الآلاف إلى الشوارع في مدريد وبرشلونة ومدن أخرى، مع تنظيم تحركات في أكثر من 50 مدينة للمطالبة بخفض تكلفة السكن، وحماية المستأجرين ووقف عمليات الإخلاء.
وتصاعدت الأزمة بصورة حادة بعد قضية ماريكارمن أباسكال، 87 عاماً، التي أُخرجت من منزلها في مدريد بعد عقود من الإقامة فيه، إثر شراء العقار من قبل جهة استثمارية والسعي إلى رفع إيجارها بصورة كبيرة. وتحولت صور إخلائها وهي على نقالة إلى رمز لأزمة السكن، قبل أن يسمح لها المالكون بالعودة إلى المنزل بعد موجة الغضب الشعبي.
استجابت حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز بحزمة طارئة تضمنت حماية المستأجرين الأكثر هشاشة من الإخلاء حتى عام 2030، وتمديداً تلقائياً لبعض عقود الإيجار، وقيوداً على زيادات الإيجارات وشراء العقارات من قبل صناديق استثمارية كبيرة، إلى جانب حوافز ضريبية وزيادة المعروض من السكن الاجتماعي.
إلا أن مجلس النواب رفض الحزمة في 2 أكتوبر بأغلبية 178 صوتاً مقابل 172، بعدما صوت ضدها حزب الشعب المحافظ PP، وحزب Vox، وحزب Junts الكتالوني، الذي كان دعمه مهماً لاستمرار الأغلبية البرلمانية التي تعتمد عليها حكومة سانشيز.
وترى هذه الأحزاب أن تجميد الإيجارات والقيود المفروضة على الملاك قد تؤدي إلى تقليص المعروض من المساكن ورفع الأسعار على المدى الأطول، فيما تقول الحكومة والنقابات إن التدخل أصبح ضرورياً بسبب ارتفاع الأسعار وعدم قدرة قطاعات واسعة، خصوصاً الشباب، على تحمل تكلفة السكن.
من أزمة إيجارات إلى أزمة حكم
أظهر التصويت مشكلة أعمق بالنسبة إلى سانشيز، إذ إن حكومته لا تملك أغلبية مستقرة، وتعتمد على مجموعة من الأحزاب الصغيرة والإقليمية لتمرير القوانين.
وبعد استمرار الاحتجاجات، أعلن سانشيز في 5 أكتوبر إجراء انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر 2026، بدلاً من انتظار الموعد المقرر في 2027، لتصبح أزمة السكن أحد أبرز الملفات في المعركة السياسية الإسبانية الجديدة.
كما أعلنت نقابتا UGT وCCOO دعمهما لإضراب عام يتعلق بأزمة السكن قبل الانتخابات، ما يرجح بقاء الملف في قلب الحملة الانتخابية.
وفي 6 أكتوبر، تحركت الحكومة لإعادة إصدار نسخ معدلة من المراسيم المتعلقة بالسكن، في محاولة لإقرارها عبر الآليات البرلمانية المتاحة خلال الفترة التي تسبق الانتخابات.
وما علاقة ذلك بإسرائيل؟
القضية التي فجرت الأزمة السياسية إسبانية داخلية أساساً وتتعلق بالسكن والإيجارات، إلا أن نتائج الانتخابات يمكن أن تنعكس على السياسة الخارجية لمدريد، وخصوصاً موقفها من إسرائيل وفلسطين.
حكومة سانشيز كانت خلال السنوات الأخيرة من أكثر الحكومات الأوروبية انتقاداً لسياسات الحكومة الإسرائيلية. واعترفت إسبانيا بدولة فلسطين في 2024، واتخذت لاحقاً إجراءات لتقييد التجارة العسكرية مع إسرائيل ومرور شحنات الأسلحة عبر الموانئ والمجال الجوي الإسباني، إلى جانب زيادة دعمها للسلطة الفلسطينية والأونروا.
أما حزب الشعب PP بقيادة ألبرتو نونييث فيخو، فينتقد طريقة سانشيز في إدارة العلاقة مع إسرائيل. ويقول الحزب إنه يؤيد وقف قتل المدنيين في غزة والحل السياسي للنزاع، لكنه عارض عدداً من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسبانية تجاه إسرائيل، وبينها بعض القيود المتعلقة بالتعاون والتجارة العسكرية.
أما Vox فيتبنى موقفاً أكثر دعماً لإسرائيل، وينتقد بشدة سياسة سانشيز تجاهها، كما عارض حظر السلاح الإسباني على إسرائيل واعتبره ضاراً بالمصالح والأمن الإسباني.
وبذلك، فإن المسار يبدأ من أزمة إيجارات واحتجاجات داخلية، لكنه قد ينتهي بتغيير ميزان القوى في مدريد. وأي تغير في تركيبة الحكومة المقبلة قد ينعكس على ملفات مثل حظر السلاح، والتعاون العسكري، والمواقف الإسبانية داخل الاتحاد الأوروبي، وطبيعة الخطاب الدبلوماسي تجاه إسرائيل وفلسطين.
لهذا، فإن احتجاجات السكن لا ترتبط بإسرائيل بصورة مباشرة، لكن تداعياتها السياسية قد تقود إلى حكومة إسبانية أقل تشدداً تجاه إسرائيل من حكومة سانشيز الحالية.
ع.ر.ر.أ