
(شبكة أجيال)- الكاتب الفلسطيني أكرم الصوراني يكتب عن حياة اللجوء ومعاناة النازحين في قطاع غزة.
كل ليله أَتردّد في الكتابة عن يوميات الحرب في غزّة، وكل ليله أُردّد 'هادي الليله شكلها صعبه'، وكل ليله أضع على وجهي البشكير للوقاية من ذُباب الشّتاء وما تَيَسَّرَ من صراصير، وهو بالمناسبة ذُباب غبي وبليد جداً، لا يقل بلادة عن الغسيل الذي ننشف من الخوف وهو لا ينشف، القصف يشتد بعنف ليلاً ، والذّباب أيضاً، ولا أسوء من الليل المليء بالقصف والذّباب إلاّ انقطاع الانترنت بين الفَنَّة والأخرى! المهم 'حتى الآن مازلنا أحياء' وهي عبارة جاهزة ومتوفرة في الأسواق لكل من يسأل 'عن الحال'، ولأنه من الكذب والسخافه أن تخبر أحداً أنّك بخير ما عليك سوى نسخ العبارة أو أن تقول له 'حتى الآن مازلنا أحياء!'
في المرحلة الحالية وعشيّة أعياد الميلاد يطلب الناس هنا في غزّة هدية وحيدة من 'بابا نويل' 'أن لا يصدر قرار بإخلاء المنطقة التي يسكنوها!' ، مؤخرا اكتشفت أنه ليس من الصحيح القول أن كل بداية صعبة، فالنزوح الثاني، وربّما الثالث، سيكون مؤلم وأصعب وأقسى بكثير بعيداً عن الفرشة التي أكتب فوقها حالياً، خاصة وأنّي إعتدت على أصدقاء مركز الإيواء وعلى الفأر الذي يسرح وينزح في المكان، الأوضاع صعبة جداً في الخيم ومُزريه ومُؤذيه ، وعليه فإن رعب القصف وتهديد الموت قد يكون أقل قسوة من حياة التشرّد!
وما بين رعب القصف وقسوة التشرّد مساحة واسعة من نزلات البرد والنزلات المعوية والكحّة القذرة في ظل إختفاء الدواء من الأسواق، ورغم مرارة البحث عن لقمة الخبز عبر رحلة عذاب مُضنيه تبدأ من لحظة العثور على كيس الطحين مروراً بنفاذ الغاز وشح الملح والخميرة وصولاً إلى جشع أبو لهب وحزمة حمّالة الحطب وتفاصيل ماذا سيأكل الصغار ولماذا طعام الغداء يشبه طعام الإفطار إلا أن حضور الحمار صباحاً وهو يحمل لك مياه الشرب على ظهره يكاد يكون الأمل الوحيد في بقائك على قيد الدّور أمام باب الحمام، وهو دور مزعج من زاوية الحشر من ناحية ومن زاوية نفاذ ورق التواليت واضطرارك لاستخدام فوط ماركة 'دَبّر حالك!'
ما يحدث معنا يكاد لا يصدقه عقل، ولا يخضع لقواعد منطق، حالة أقرب للجنون، كل شيء يكاد مجنون في هذه المدينة، الأخبار مجنونة، الأسعار مجنونة، كل شيء هنا مثير للجنون، وللكآبه، علبة السردين كئيبه، الرغيف كئيب، فتلة الشاي كئيبه، كل كراتين المساعدات كئيبه ولئيمه وخبيثه هي الأخرى، تحمل ذات الأصناف وذات الكآبه، أستغرب أن بعضنا ما زال لديه قليل من عقل من هول ما يرى ويسمع ويشم في غزّة!
الحرب اليومية التي يخوضها الناس مع وحش الجوع، مع غول الخيمة، مع قذارة الحطب، مع الماء الغير صالح للشرب، مع المرض، ومع العلاج، ومع الفشل في تدبير كثير من أمورهم المعيشية تكاد تكون أقسى بكثير من شكل الحرب التقليدي ، معركة قاسية وسط واقع أقسى لا صوت يعلو فيه فوق 'صوت المعلقة' ، وأنه بقدر ما قد تُخرج منك الحرب أفضل ما فيك فإنها تُخرِج أيضاً أسوأ ما فيك!
مسلسل 'الغفران' من المسلسلات السورية الجميلة التي لخصت قصة حب عنيفة باءت بالفشل بين أمجد وعزّة لخصها المشهد الأخير في الحلقة الأخيرة '.. اختلست عزّة النظر الى أصدقاء الأمس بينما غطى أمجد وجهه براحته وعزّة شِبهُ تأكل ، شِبهُ تنظر الى أمجد ، وشِبهُ تَحيا ...' نحن أيضاً شِبهُ نأكلُ، شَبهُ ننظر الى بعضنا في المأوى، وشِبهُ نَحيا!!' .
وكل يوم بنفكّر إنّو من وين ممكن تيجينا القدرة إنّو نكمّل الطريق ، وأكتر من ألف مرّة بنحكي ما عاد فينا نتحمل على حد وصف 'ورد' بطلة مسلسل 'قلم حمرا' لكن يبدو إنّو فعلاً برضانا أو غصبن عنّا بنحاول نثبت لحالنا إنو نكمل الطريق أكتر مما نتوقع ونلبس على رأي 'ورد' ضحكة على وجوهنا زي ما بنلبس الجرابات ونمشي ، وبنسأل كيف ؟ وعَ الغالب بننسى السؤال وسط دوامة اسمها حياة!
بعد 80 يوم على الحرب نحن نتوق الى دوّامة الحياة، وملل الحياة، ورتابة الحياة، وكآبة الحياة، الى كل تفاصيل مشاكلنا التافهه ، الى كل شيء له علاقة بسخف الحياة بدلاً من سخف ومهزلة الموت الذي نعيشه يوميا! أو كما وصفنا الراحل محمد طمليه '..لقد متنا بما فيه الكفاية ، ونموت يومياً ، ولكن المثير للسخط أن موتنا ما يزال بدائياً ومتخلفاً ويحدث بسهولة متناهيه وبما يوحي أننا عجزنا عن تكديس خبرات مفيدة في هذا المجال : كأننا نموت للمرة الأولى!' .
المهم وبينما أتابع فيديوهات القصف والدمار على 'تيك توك' ظهرت لي مقاطع أجمل مسلسلات كنت أحرص على إعادة مشاهدتها ، الأول مسلسل (النّدم)، المسلسل أكثر من رائع من بداية تتر الأغنية مروراً بقصة أبو عبدو وملحمة 'عروة وهناء' وكل أبطال النّدم وصولاً الى الشعور المتأخر بالنّدم، والثاني مسلسل (أحلام كبيرة) والذي في مشهده الأخير يتكئ بطل المسلسل عمر على النافذة وهو يقول لوالده '.. بتعرف يا أبو عمر، لمّا بتطلَّع على حالي بلاقي حالي فاضي، صفر اليدين ، لا الآمال تحققت ، ولا الحياة مشيت متل ما كنا نحلم من زمان ، مع إنّو الأحلام كانت كبيرة، كبيرة كتير!! ...'