إحياء حارات البلدة القديمة في القدس بجولة مسرحية "فسيفساء القدس"

إحياء حارات البلدة القديمة في القدس بجولة مسرحية "فسيفساء القدس"

08 أغسطس، 2023 - 10:08pm

(شبكة أجيال)- اختتمت سلسلة من الجولات المسرحية في البلدة القديمة، ضمن مشروع “فسيفساء القدس" العمل المشترك بين المسرح الوطني الفلسطيني وجمعية برو تراسنطا.

فسيفساء القدس هو عمل فني ثقافي، يجمع بين رحلة في البلدة القديمة ومسرحية فنية، جولة مكانية وزمانية، من خلال قصة حُب موديل الستينات بين صالح وبسمة. حيثُ تجولت مجموعات مختلفة من الجمهورعلى مدار أربعة أيام متفرقة في زقاق القدس، وعاش الجمهور قصة نسيج اجتماعي يربط بين الأرض والإنسان، متأثرين بالأحداث التي تحكي حكاية التراث الفلسطيني، ومروا خلال القصة في عدة محطات من البلدة القديمة و تعرفوا على معالمها و تاريخها.

يقول محمود درويش في إحدى قصائده"هذاهُوَ النسيانُ حوَلكَ: يافطاتٌتُوقظُ الماضي، تحثُّ على التذكُّر"، وتقول فيروز في واحدة من أغنياتها " ما تنسوا وطنكم"،تلك هي جدلية الذاكرة والنسيان، فالتفاصيل المروية في الحكاية تحثّ على التذكّر، أننا كنا ولا زلنا هنانغنّي ونُحبّ.

وعلى وقع الأنغام بدأت الجولة المسرحيةوبدأت حكاية"فسيفساء القدس" على لسان الراوية التي ترافقنا طيلة الجولة، من ساحة سبافورد، في البلدة القديمة مروراً بعدة محطات لكل منها تاريخ وحكاية، فهذه الأماكن شاهدة على كل حدث، وعلى كل صوت، منذ النكبة وحتى يومنا هذا.وتأتي هذه الجولة المسرحية نتاج عمل مشترك بين المسرح الوطني الفلسطيني–الحكواتيوجمعية بروتراسنطا، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.

إن هذا العمل بحكايته، ممثليه، مخرجته، وموسيقيينه، هو نتاج أشهر من العمل المتواصل والشغوف، والذي بدأ منذلحظة كتابة النص، التدريب عليه، واجراء كافة التحضيرات، حتى الوصول للعرض بشكله النهائي، والذي يُعبّر عن حكاية مُمتدة في جذور الذاكرة وهي حكايةفيحارة السعدية في البلدة القديمةتبدأ من مركز سبافورد،وتمرّ منمحطة عين الملا، مخبز عودة، الكوّى،جامع المئذنة الحمراء،محطة دير راهبات صهيون،حوش العدس،مستشفى الهوسبيس،الزاوية الأفغانية،المدرسة العمرية،دير حبس المسيح، باب حطّة وكنيسة سانت إن.

وهيحكاية عن المحبة والأمل، عن البساطة التي كان تغلف حياة الناس، في مجتمع صغير متعاون،ومترابط، يعيش أهله حياة بسيطة في مستوى معيشي متقارب.حيثيعود صالح من السفر حاملاً معه شهادته، بعد أن تغرّب ليدرس المحاسبة في بيروت،وتريد والدته أن تزوجه ابنة خالتهلأنها تعتقد أنها مناسبة له، بينما يقع صالح في حب بسمة ابنة أبو خالد الّلحام.

ما تلبث الفرحة أن تحلّ على أهل الحارة حتّىتنتهي بأصوات القصف، التي جاءت لتفسد صوت الأمان وحسّ الأمل.لكن الحقيقة أنتلك الأصوات لم تكن قادرة على إفساد الحكاياتفي الذاكرة، فقد ظلّت عصيّة عن النسيان أو التحريف، وظلّ أهلالحارة يتناقلونها جيلاً بعد جيل، منتظرين اليوم الذي يأت فيه العرس الحقيقي.

يقول أحد الحاضرين من الجمهور " انّ هذا النوع من العروض المسرحية يعيد إحياء الأمل في نفوسنا بأن أبناءنا يستمعون إلى الحكاية ويشاهدونها، فتبقى خالدة في أذهانهم" ويقول آخر" إن المسرح يقوم بواحدة من أعظم مهامه وهي الوفاءبوعده للناس بأن يحمل لهم رسالة فنية وطنية"، وهذا دليل على أن الناس لا تزال تترقّب هذا النوع من الأنشطة وتشعر بالانتماء لها.

وكانت المخرجة جورجيناعصفور قد وصفت رؤيتها لهذا العمل بأنّه تصديّالحب للحرب، فهذا الحب هو سلاح الصمود في وجه الحرب الخشن، الذي يأتي دائماً ليزعزع أفراحنا، فنحن بهذا الحب لدينا قوة البقاء والمحاربة.والقدس خير مثال على ذلك فقد كانت وما زالتفوق الزمان والمكان،تحمل في ذاكرتها كل ما مرّ عليها من حضارات، ثقافات، وديانات،فالقدس هي مهدالتنوّعوالمحبة،ووجه الأمل.

كمايشيرالفنان القديرحسام أبوعيشة مؤلف هذا العملوممثل فيه،بأن المسرحية تحمل رسالة مفادها أنّنا أصحاب الحقيقة التي بُنيت عليها القصة، وهيَ أن هذه المدينة لا يستطيع أي أحد أن يدّعي أن الله كتبها له وحده أوأنيفرض هيمنته عليها، وأننا كشعب فلسطيني جزء رئيسي من هذه المدينة وحضارتها منذ الأزل. كما أن هذا العمل مهم اليوم لأنّه يسلّط الضوء على فترة مهمّة من حياة الشعب الفلسطيني، وليست صدفةً أنّ العمل ينتهي بحرب ال 1967، فهذا الشعب لا يزال ينتظر العُرس الفلسطيني بعد كلّ الحروب، وهو عرس حتمي إن لم نشهده نحن، سوف يشهده أبناؤنا.

وكان لا بدّ من الإشادة بالحضور اللافت للموسيقى في هذا العرض، والتي تعبّر عن أصالة الحدث، حيث يشير رائد سعيد صاحب الرؤية الموسيقية لهذا العرض بأنّالموسيقى جاءت لتسير برفقة الحدث لكي تعبّر عن مضمون العمل ، حيث جاءت المقطوعة الأولى " باب حطة" لكي تعلن انطلاق العرضوتشدّ الجمهور، وقد ساعده على ذلك كونه ابن البلدة القديمة ويحفظها عن ظهر قلب، فكان من المهم بالنسبة إليه أن تكون الموسيقى مستوحاة من المكان وتخدم المشاهد المسرحية.

ويمكن القول بأن هذا العمل قد نجح بإعادة المشهد الى الذاكرة الحاضرة، حيث أظهر الجمهور حضوراً لافتاً في مختلف الجولات، كما عبّر عن محبته وقبوله للعمل، وهذا يُعيدنا الى أوّل الفكرة، وهي كماوصفهامحمود درويشبقوله"فالمحبَّةُوالسلام مُقَدَّسَان وقادمان إلى المدينة".