تعذيبٌ وشبحٌ وإجبارٌ على التوقيع.. جلسة أخرى في قضية الغروف

تعذيبٌ وشبحٌ وإجبارٌ على التوقيع.. جلسة أخرى في قضية الغروف

03 سبتمبر، 2020 - 02:09pm

فراس الطويل: أدلى المتهم الثالث في قضية مقتل الشاب رائد الغروف بإفادة دفاعية أمام هيئة محكمة بداية رام الله بصفتها الجنائية. وعقدت الجلسة التي استمرت ساعتين يوم الاثنين الماضي برئاسة القاضي عادل أبو صالح وعضوية القاضيين رامز جمهور ومحمد رسول.

واستعرض المتهم أمير محمد ناجي ما وصفه مسلسل التعذيب الذي تعرض له بعد وقوع الجريمة مباشرة في آذار 2018 في فندق "الملينيوم" برام الله، حيث كان موظف حراسة بالفندق آنذاك.

وشهدت الجلسة إحضار المتهمين الثاني والرابع في القضية وغياب المتهم الأول المحاكم غيابيا كمتهم فار من وجه العدالة. ووقف المتهمون الثلاثة داخل قفص حديدي داخل قاعة المحكمة وبدأ المتهم أمير بسرد ما حدث معه بعد أن سمح له القاضي.

واستعرض ناجي في العشرين من عمره بالتفصيل ما وقع معه بعد وقوع الجريمة: " في صباح 3/ 3/ 2018 بعد وقوع الحادثة الخاصة برائد الغروف وانا قاعد في مكان الحراسة على البوابة الرئيسية للفندق، جاءت الشرطة والإسعاف الى موقع الحادث وأخذتني الشرطة الى موقع المباحث وقعدت هناك شوية. وجاءت شرطة من المباحث وقالوا لي تلفونك واغراضك كلها اعطينا إياها، وبعد ذلك فوتوني على غرفة وسألوني: شو صار في يوم الحادثة؟ فقلت لهم: لا اعرف أي شيء، فقاموا بإخراجي إلى خارج الغرفة، وقالوا لي خليك واقف في الممر. بعدها أطلعوني على منظر الشاب رائد الغروف وهو على الأرض حيث كانت تسيل منه الدماء، قال لي ضابط المباحث: شكلك رح تغلبنا شوي وقام بإخراجي مرة اخرى واثناء ما كان يسير بي في الممر اخذ يضرب بي على ظهري بقبضة يده. وحينما أنكرت أحضر كلبشات واجلسوني على كرسي صغير ويدي الى الخلف مكلبشة، وبعد ذلك دخل ضابط اخر فتوقفوا جميعهم وقام على الفور بضربي بقدمه على صدري فسقطت انا والكرسي على ظهري".

بعد سبعة أيام لدى المباحث.. نقلٌ إلى سجن جنيد في نابلس

الأيام السبعة الأولى كانت صعبة على أمير كما تحدث أمام هيئة المحكمة بحضور محامين وصحفيين وذوي الضحية داخل القاعة التي تصل مساحتها 30 مترا مربعا. كانت الأجواء حارة، بينما يواصل المتهم الثالث سرد ما حصل معه: "الطريق كانت طويلة حتى أنني سألت إلى أين يقتادونني، فلم يجيبني أحد، وفجأة بعد ساعتين نزلوني في مكان وصعدت معهم على درج حديد، وقبل أن ادخل من الباب بدأت مجموعة بضربي شلاليط وصاحوا كلهم بصوت واحد أركض أركض، طبعا وضعوا كيسا رائحته نتنة على رأسي، ولم اشاهد شي، واخذت اركض فقام أحدهم بإمساكي وادخالي الى غرفة وطلب مني ان أقف وافتح قدماي على الاخر وسألني: هل تعرف اين أنت؟ فقلت له: لا. فقال لي: أنت في مسلخ، وقال لي هل تعتقد ان التعذيب الذي شاهدته في المباحث هو تعذيب انت لم تر شيئا. أكثر من شخص شرعوا بضربي ويصرخون ويضربوني وطلبوا مني ان اقول شيء جديد فقلت لهم ما في عندي شيء. وبعد ذلك شبحوني على الباب بطريقة عكسية حيث كانت يداي مكلبشتان الى خلف ظهري وتم رفعي من يداي وهما على هذه الحال وانا صرت اصرخ ولم احتمل الوجع وبقيت حوالي ربع ساعة على هذا الحال وجاء بعد ذلك شخص وقام بفكي، وقال لي: مئة عين تبكي وعين أمك لا تبكي. وسألني بعد ذلك عن عمي ما هي وظيفته في الفندق فقلت له: مسؤول الامن، وسألني ما علاقته بالقصة فقلت له إن عمي يوم الحادث كان في البيت .فقال لي : انت كاذب وقال لي ها هو عمك موجود عنا، فطلب مني ان اقول بان عمي هو الذي حرضني على قتل رائد الغروف مقابل مبلغ مالي وعندها انا قلت هذا الكلام غير صحيح فقال لي: اذا انت لن تاتي بالمليح وبعد ذلك اخذني واجلسني على عجل كوشك ووضع دبسة خلف ركبتي وانا جالس واحضر حبلا وربط يدي برجلي بعد ان مرر الحبل داخل العجل وقال لي في الوقت اللي بيجي على بالك تحكي نادي علي، وبقيت انا جالسا على هذا النحو ساعة".

وبعد أن أحضروا له عمه يوضح المتهم أمير وهو يتحدث للمحكمة عن التفاصيل بنبرة قوية تميل إلى الحزن أحيانا حينما كان يستذكر ما حصل معه. ويتابع: " لم أتحمل العذاب، وافقت على طلبه واخبرته انني مستعد انأ أواجه عمي بالكلام الذي يطلب مني مواجهته به، وبعدها واجهت عمي أمام خمسة ضباط وانا ابكي ولم يكن بمقدوري أن أفهم عمي انني لا أريد ان اقول هذا الكلا. وانني مجبر على قوله الا انني وبعد واجهت عمي بالكلام اخذوني برا وقالوا لي انت لسا ما خلصت واخذوني على الغرفة وشبحوني على الباب كمان مرة وبقيت حوالي عشرين دقيقة وانا مشبوح وبعدين جاء ضابط وفكني وقال لي تعال معي وتوجهنا الى غرفة وكان امامه ورق مكتوب عليه اشياء وطلب مني ان أوقع. وسألته على ماذا اوقع وكان أمامه 4 ورقات وطلب مني ان اوقعها فرفضت، فقام بإخراجي وربطني بالحبل من يدي من الخلف ورفعني الى السقف حيث قام بإحضار ثلاثة كراسي وصعد عليهم وقام بشد الحبل بي وبقيت مشبوح وقال لي بأنني ومتى رغبت بان اوقع ان أخبره. وكان يتردد علي كل 5 دقائق ويقوم بدفعي ويتركني اتأرجح وانا اصرخ ولم اعد اشعر بيدي ولم اعد اشعر برجلي. بعدها اخذوني الى طبيب أعطاني إبرة لا اعرف ما هي. بعد أن هدأت قليلا قام أحدهم وهو يحمل حزاما واخر يحمل قشاط سيارة واخر يحمل خيزرانة حديد وأجلسوني في الوسط وسألوني هل ستوقع. فقلت لهم لن اوقع على شيء لا اعرف ما هو. وقاموا بضربي ثلاثتهم وطبشوني وبعد ذلك قاموا بجري ورموني في غرفة اخرى وبعد حوالي ربع ساعة عادوا علي وطلبوا مني ان اوقع على الورقة وانهم بعد ذلك لن يتعرضوا لي"

أمام التعذيب الشديد يقول المتهم أمير ناجي من خلف قفص الاتهام، وهو طويل القامة ونحيف وكان يرتدي بنطالا أسود وبلوزة بيضاء اللون: " وافقت على توقيع الورقة وأنا لا أعرف ما هو مكتوب فيها. وبعد ذلك قال لي الضابط: مبروك صرت قاتل رئيسي، وصرت وقتها أبكي. وقال لي انت الان لن يتعرض لك أحد".

توقيعه على الورقة التي تثبت أنه قاتل رئيس وفق ضابط التحقيق لم يكن كافيا لوقف التعذيب بحق أمير كما سرد أمام هيئة القضاة. وتابع: "ثاني يوم قالوا لي انت ما بتنفعش قاتل رئيسي، وشفنا الكاميرات وشفناك وانت تجلس في محرسك، وحضر ضابط اخر وكان معه لاب توب وفتحوه على الطاولة واروني نفسي وانا اجلس في محرسي. وقالوا لي مع ذلك ستلبس خاوة وقالوا لي التهمة ما بتنفع عليك قاتل رئيسي لازم تلبس اشي ثاني. أخذوني على غرفة ثانية وجاء ضابط آخر ومعه خيزرانة حديد واخذ بضرب على رجلي وانا اصرخ وهو استمر في ضربي وطلب مني ان اجلس قليلا وانا جلست قليلا، وجاء الضابط وأخرجني من الغرفة وطلب مني ان ادخ إالى غرفة اخرى. وقال لي وفر على حالك كل اللي رح يصير لك وطلب مني ان اوقع على ورقة ثانية. ولكنني لم اقبل، فقام بمدي على كنبة واحضر بربيش واخذ يضربني، وقام بشبحي مرة اخرى وانا اصرخ وابكي وبعد ذلك فكني من الشبحة واخذني على الدكتور مرة اخرى وكل ما ياخذني على الدكتور يعطيني ابرة وأكلت حوالي سبع إبر وكنت اشعر كلما اخذ الابرة بارتياح. وبعد ذلك جاء شخص من النيابة وقال لي مش لو وفرت عليك كل هذا الكلام واعطيتنا اللي بدنا اياه فقلت له ماذا تريد ان اعطيك وانا لا اعرف ما هي القصة فقال لي لساتك مغلبنا فدخل بعدها أربعة، وكانت هناك صوبة شغالة فأجلسوني عليها وبدأت اصرخ".

المحكمة تمدد توقيف المتهم

عرض أمير على المحكمة وقام القاضي بتمديد توقيفه على ذمة التحقيق، ويروي ما حدث معه: "قام ضباط اللجنة الامنية بالصعود بي الى الطابق الثاني وبقيت في الغرفة وبعد ذلك نادى علي الضابط وأخبرني بأنني سأنزل على المحكمة. وقال لي بانني سأدخل الى المحكمة ويدي وطلب مني ان لا اتحدث للقاضي بشيء وبعد ان تم تمديد توقيفي في المحكمة عدت إلى سجن الجنيد وطلبوا من أن أوقع على الورقة وانا لم أوقع. وأحضروا سجائر واخذوا بإطفائها في يدي وأذني، بعد ذلك أعادوني إلى الغرفة وطلبت محامي مع العلم انه كان عندي محامي اسمه محمود الديسي، ولكنهم لم يتركوني ان اتحدث او اتواصل معه وثاني يوم جاء المحامي أحمد شرعب الذي قام والدي بإرساله لي واخبرني انه محامي وطلب مني الاستاذ احمد ان اوقع على الوكالة وكان وقتها علامات السجائر على يدي وسالني عنها فقلت له من اللجنة فوق وطبشوني وكان هناك ضابط يقف الى جانبي وبعد ان سمع هذا الكلام اخذوني وطبشوني وانا ما الي في هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، واريد ان اذكر عندما ادخلوني على النيابة في رام الله قام شخص هناك باطلاعي على فيديو يظهر فيه شخص طالع من غرفة الاجتماعات في الفندق ويده سمراء ولابس بدلة وضخم ، حيث قال لي وقتها هذا انت، وانا بشرتي ليست سمراء".

قاضي المحكمة كان يقول لأمير بين الحين والآخر بأن يستعجل في تقديم إفادته لإنه استغرق ساعتين في سردها. هنا قال أمير إن ما سرده هو كل شيء في قضيته، لكنه طلب من القاضي أن يضيف جملة واحدة: " حسبي الله على كل واحد له علاقة بهذه القصة وحابسنا هذه الحبسة".

دوام المحاكم اقترب من نهايته، الساعة تشير الى 2:50 بعد الظهر، وما أن أنهى المتهم الثالث إفادته، حتى سمح القاضي عادل أبو صالح لرئيس النيابة لؤي شامية بالتحدث. قال الأخير: ""حرصا على وقت المحكمة وتحقيقا للعدالة ولضيق الوقت تلتمس النيابة امهالها لمناقشة المتهم لما جاء في اقواله في الجلسة القادمة".

وكيل المتهم الثالث المحاميأحمد شرعب قال بنبرة صوت عالي: " على ضوء ما صرح به رئيس النيابة ألتمس من المحكمة دعوة الشاهد المدعي العام محمود عبد الكريم الذي يعمل في نيابة رام الل، وكذلك دعوة مدير سجن الجنيد مصطحبا معه الملف الطبي الخاص بالمتهم الثالث وجميع الملف الخاص به لبيان تاريخ دخوله سجن الجنيد".

رئيس النيابة اعترض غاضبا على طلب وكيل الدفاع ودارات بينه وبين المحامي أشبه بتحدي غير مباشر حينما رد مباشرة بالرفض، وبرر ذلك بسبب "عدم القانونية حيث ان المدعي ووكيل النيابة المطلوب سماعه انما هو جهة قضائية كون ان النيابة العامة شعبة من شعب السلطة القضائية الامر الذي لا بجوز معه قانونا ان يمثل قاضي او وكيل نيابة ليتم سماعه عن اعماله القضائية والقانونية وان طلب وكيل الدفاع انما هو القصد منه المماطلة والتسويف لذا التمس رفض طلبه".

هنا دقت عقارب الساعة مشيرة إلى الثالثة بعد الظهر؛ موعد انتهاء الدوام. هيئة المحكمة تشاورت فيما بينها، وكان رئيسها القاضي عادل أبو صالح يميل يمينا ويسارا نحو زميليه القاضيين رامز جمهور ومحمد رسول من أجل التشارو.

قررت هيئة المحكمة إمهال النيابة العامة لما طلبت، على ان يتم مناقشة المتهم من قبلها بما جاء في اقواله في الجلسة القادمة، وإرجاء البت في طلب وكيل الدفاع لحين الانتهاء من مناقشة النيابة العامة للمتهم في اقواله، ورفع الجلسة الى يوم 21-9-2020. قرأ القرار رئيس المحكمة بصوت عال غلب عليه التعب بعد يوم شاق من الجلسات. التعب كذلك بدا واضحا على كاتب المحكمة الذي يجلس أمام طاولة هيئة القضاة ويوقم بتدوين كل كلمة ترد في أثناء الجلسات.