
تقرير: نداء باسم بسومي
لم تكتملْ فرحة غسان السعدي من شمال الضفة الغربية، بمحصول زيتونه العام الماضي، فالمعصرة التي ارتادها ليحصدَ انتظاره عامًا كاملًا التهمت معظمَ زيته، وقد منحته في موسم الخير خسارة ٩٢٪ من الزيت على حد قوله.
"راجعتُ المعصرة، وأخبرتني أن سببَ خسارتي يكمن في نقص بعض القطع الميكانيكية، ولا أدري هل قالوا الحقيقة لي أم لا"، يوضح السعدي الذي لم يقدم أي شكوى إلى وزارة الزراعة.
وتعمل في فلسطين ٢٨٠ معصرةَ زيتون منها ٣ معاصرَ حجرية قديمة، إحداها المعصرة التي ارتادها السعدي، ويبلغ الحد الأدنى للفاقد من زيت الزيتون في هذه المعاصر الحجرية ٢٧٪، وعلى الرغم من هذه النسبة الكبيرة، إلا أن بعضًا من العائلات الفلسطينية تفضل عصر الزيتون فيها بسبب ما تراه طعمًا فريدًا للزيت لا يتحقق في غيرها من المعاصر.
وفي ذات السياق، يقول مدير دائرة العمليات والتطوير في لجان العمل الزراعي المهندس ماجد ناصر: "إن المعاصر في فلسطين هي من الجيل القديم، وتلك التي تُسمى معاصر حديثة هي مُجددة وليست جديدة". وبحسب وزارة الزراعة فإن نسبة الفاقد من زيت الزيتون في الجفت الجاف يصل في هذه المعاصر إلى ١٢٪، أي أعلى بستِ درجات من الحد المسموح به عالميًا.
وحول فقدان الزيت داخل المعصرة ينوّه ناصر إلى ضرورة منح الزيتون مدة كافية في العجانة "الخلاط" تتراوح بين ٢٥ – ٣٠ دقيقة بعد خروجه من الجاروشة، وذلك لاستخلاص أكبر قدر ممكن من الزيت، مشيرًا إلى عدم استيفاء أصحاب المعاصر لهذه المدة بسبب رغبتهم في عصر أكبر كمية ممكنة من الزيتون على حد تعبيره.
ويضيف ناصر:" بعد خروج الزيتون من العجانات، ينتقل إلى التوربين، قد يكون هذا التوربين قدرته الاستيعابية ١ طن على سبيل المثال، لكن يدخل عليه طن ونصف أي ما يفوق قدرته، ويؤدي الضغط على التوربين بالتالي إلى خروج كمية من الزيت مع الجفت مما يزيد في نسبة الفاقد".
بدوره يُعزي مدير عام مجلس الزيت والزيتون الفلسطيني فياض فياض ارتفاع نسبة الفاقد من زيت الزيتون في المعاصر الفلسطينية إلى أسبابٍ عدة، تتمحورُ حول عصر الزيتون قبل نضوجه وهو ما يترتب على القطف المبكر للثمار، وعدم التزام المعاصر بالمعايير العالمية لماكينات العَصر، وإدارة عملية عصر الزيتون من قبل العامل في المعصرة دون إشراف مهندس كهربائي أو زراعي.
وتعقيبًا على تأثير الفاقد من الزيت على الاقتصاد الفلسطيني يقول فياض:" تقدر خسارة فلسطين من هذا الفاقد أكثر من ٥٠ مليون شيكل سنويًا، وهذا الرقم مرجح للازدياد في حال قطف المزارعون ثمار الزيتون قبل نضوجه".
وعلى الرغم من أن المعاصر في فلسطين تفوق ضعف عددها في الأردن، إلا أن طاقتها الإنتاجية تصلُ إلى النصف، وفي هذا يتابع فياض حديثه موصيًا: "لسنا بحاجة إلى أكثر من ١٠٠ معصرة في الضفة الغربية، على أن تكون موزعة على المدن والقرى الفلسطينية، فمعصرة واحدة مجهزة بأحدث التقنيات يمكن أن تنتج ما يعادل إنتاج ٥ معاصر تعمل حاليًا بنظم تقليدية".
من جهته يرى الفنيّ الكهربائي نعيم الرنتيسي أحد أصحاب معصرة رام الله الحديثة والتي تأسست عام ١٩٤٠م، أن الفاقد من الزيت يقتصر فقط على المعاصر الحجرية القديمة، أما المعاصر الحديثة والتي يُصنِف معصرته كإحداها، فلا يوجد فقدان للزيت أثناء عملها، وذلك لاعتمادها على تقنيات إلكترونية يدور التوربين فيها ٣٥٠٠ دورة في الدقيقة على حد قوله.
وبينما تكشف وزارة الزراعة عن عقدها تدريباتٍ لكوادر المعاصر ضمن استراتيجية لتطوير المعاصر وتقليل الفاقد من الزيت فيها، ينفي الرنتيسي تلقيه لأي دورات تدريبة من قبل الوزارة أو الجهات المعنية بتطوير وتنمية القطاعات الزراعية في فلسطين، ويضيف:" نتلقى دورات فقط من الجهات التي تورد لنا الماكينات لتدريبنا على كيفية تركيبها وعملها، ومنذ عامين لم نتلقَ أي دورةٍ تدريبية من أي جهة".
وعلى الصعيد ذاته استطاعت وزارة الزراعة استصدار قانونٍ العام الماضي يقضي بتحويل المعاصر من منشآت صناعية إلى زراعية، وما يترتب عليه من تخويل الوزارة وحدها صلاحية منح تراخيص معاصر الزيتون، وفي هذا يوضح مدير دائرة الزيتون في وزارة الزراعة المهندس رامز عبيد أن الوزارة بصدد إصدار التعليمات الفنية التي ستصدر عن وزير الزراعة لتنظيم عمل المعاصر، وترخيصها، منوّهًا إلى خطة ستتبناها وزارة الزراعة لإخراج المعاصر القديمة والتي ينتج عنها فقدان كبير من الزيت من السوق الفلسطيني، واستبدالها بمعاصر حديثة.
ويقول عبيد:" نبحث في الوزارة عن إمكانية فرض وجود مهندس زراعي في المعصرة، فقد كشفنا بعد دراسة أجريناها عن وجود خلل كبير في الكادر الذي يدير المعاصر، حيث يعاني من نقص في بعض الفنيات التي يطلبها عمل المعصرة، وذلك قد يعود لتوارث المعاصر من الأجداد دون نقل الخبرات الصحيحة التي تحكم عملها".
ولتحسين جودة عمل المعاصر، يشير عبيد إلى وجود طاقم متفرغ مكون من ٢٨ مهندسًا زراعيًا في جميع محافظات الوطن، للرقابة على المعاصر قبل وأثناء عملية التشغيل، للتأكد من التزامها بالمعايير والشروط المحددة.
ومن الجدير بالذكر أن فلسطين تنتج سنويًا ما يقارب ٢٠ ألف طن من زيت الزيتون، إلا أن هذه الإنتاج بحاجة إلى التفاتة جادة من الحكومة والمؤسسات الزراعية لتطوير المعاصر ومراقبتها وتحسين جودة عملها.